الشيخ محمد هادي معرفة

185

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

« فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ » أي الأرامل الشابّات ، وهذا التفريع بالفاء ممّا ينبؤك على هذا الترابط بين الأمرين بوضوح . فلنفرض أنّ مؤسّسات خيرية قامت بشؤون اليتامى ، ولكن ما هو العلاج الحاسم - الدائم مع دوام حركيّة الإسلام - بشأن الأرامل ، فيما سوى ترخيص التعدّد في الزواج ، وعلى شريطة التعادل في حمايتهنّ وفق موازين الشريعة بشأن الأزواج ؟ ! ومن ثمّ كانت قضية الترخيص في تعدّد الزوجات - مع ملاحظة هذه الشرائط والظروف والملابسات - قضيّة حاسمة لمشكلة اجتماعية هي من أهمّ المشاكل التي قد تعرقل في سبيل الحركة الإصلاحية ، وهي فريضة إسلاميّة عامّة شاملة ودائمة . هذا بالنظر إلى النصّ القرآني الوارد بشأن تشريع تعدّد الزوجات في حالات اضطرارية وظروف حرجة ومشاكل لايحلّها سوى هذا التشريع العادل . وكم من مفاسد اجتماعية فظيعة قاستها أُمم إثر حروب عارمة التهمت عامّة الرجال وبقيت النساء الأرامل يبتغين حماية رجال أكفاء فلا يجدن ، ثمّ سادت الفحشاء وراج الابتذال الخُلقي لافي النساء فقط بل في الأطفال الضُيَّع الصغار أيضا . وهذه الحرب العالمية الثانية كم خلّفت من مساوئ ومفاسد عمّت أرجاء البلاد الاوربيّة ولاسيّما القطر الألماني الذي تألّب عليه حشد المحاربين من كلّ الجهات : حلفاء الدول الاروبيّة وأمريكا والسوفيت في تحالف ثلاثي ضدّ الألمان المنكسر بعد ذلك التهاجم العنيف . ثمّ مع قطع النظر عن شأن نزول الآية نرى أنّ في هذا التشريع إجابةً لواقع الإنسان في فطرته وصيانةً للمجتمع دون تفشّي الفساد فيه ، تشريعا في ظروف خاصّة وفي ظلّ شرائط محدّدة ، فقد جاء الإسلام ليُحدّد لا لِيُطلق ويترك الأمر لهوى الرجل ، فقد قيّد التعدّد بالعدل وإلّا امتنعت الرخصة . ولكن لماذا أباح هذه الرخصة ؟ إنّ الإسلام نظام للإنسان ، نظام واقعي إيجابي يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه ويتوافق مع واقعه وضروراته ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيّرة في شتّى البقاع وشتّى الأزمان